المظاهرات العربية..!!


ارحل ، كلمه تكررت خلال الأشهر القليلة الماضية ، هتف بها أولئك الذين تشبعوا الظلم وعانوا من الاستبداد والقمع ، استعبدوا وهم في أوطانهم وحرموا خيرات بلادهم ، جوعوا وظلموا وأهينوا من قبل حكوماتهم ، حاصرهم الفقر مع أن دولتهم غنية ، يذوقون المر والعلقم عندما يشاهدون رؤسائهم يتمتعون ويستمتعون وهم تحت خط الفقر يعيشون ، أصابهم الملل وبلغ بهم الغضب مبلغه فنفجروا ، وحق لهم ذلك فلا شيء أبغض من مشاهدة الوطن يعاث به فساداً من من لا يستحق العيش فيه.

إن الثورات العربية المتتالية التي رأيناها خلال الفترة القريبة الماضية ، وما زال بعضها مستمراً حتى هذه اللحظة إنما تدل على أن الأمم العربية بدأت تصحو من سبات عميق نامت فيه قرون ، وأن الشعوب العربية قد ملت وكلت من أولئك الحكام الذين استغلوا نفوذهم ليتمتعوا ويستمتعوا على حساب الشعوب الفقيرة متجاهلين بذلك كل شيء ، فلا اهتمام بالإصلاح ولا التطوير ولا محاربة الفساد ، تركوا الحبال على الغارب كل همهم هو رفع  الأرصدة ونهب المزيد والمزيد.

من منا لا يعرف محمد بو عزيزي ؟ ذلك الشاب الذي طالما غلقت في وجهه الأبواب وسدت الطرق أمامه ، لقد أشعل الفتيل وفجر الشباب من حوله ، ولم يعلم بأن الشباب العربي الأبي الذي لا يرضى الظلم والهوان كان ينتظر فقط أدنى شرارة لينطلق ويوم أن وجدت فلا أحد يستطيع أن يوقفهم ، إن الشباب ولا شك هم عماد كل أمه فحماسهم وقوتهم وعزيمتهم هي من يحدد مصير الأمة كلها عندما وقفوا وقفتهم واتخذوا قرارهم تبعهم الناس جميعاً ، أولئك الشباب وقفوا أمام الرصاص والمدرعات بدون سلاح وقاوموا العنف بأياديهم الطاهرة ، علموا أن الحق منتصر والظلم سيزول عاجلاً أو أجلاً وقد تحققت أحلامهم بفضل الله.

إن الإصلاح مقترناً دائما بالتغيير ، يقول الله عز وجل : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } – سورة الرعد – ، فلن يكون هناك إصلاح إلا بتغير الفساد الموجود ، والتغيير لا يقبل إن كان تغييراً ظاهرياً فقط مثلما فعل بعض رؤساء الدول حينما غيروا الحكومات وحاولوا بأن يخدعوا الناس كما كانوا يفعلون في السابق ، إن التغيير لابد أن يكون جذرياً تستأصل فيه جميع الأطراف التي كانت سبباً في الفساد والسلب والنهب وعلى رأسهم أصحاب النفوذ والقوة في تلك الدول والذين خانوا الأمانة التي أوكلت إليهم وأخذوا ما ليس لهم حق به.

إن المتابع لتلك الثورات وأخبارها يشاهد ويلاحظ العنف والقتل والجنون الذين يقدم عليه هؤلاء المجرمون ، فأحدهم يصرح قائلاً سوف أطهر البلاد ، هل يعقل أن يطهر البلاد من أهلها الذين لهم الحق قبل أي أحد بخيرات بلادهم المنهوبة ، إن ما يحدث إنما يدل على حب الرؤساء للسلطة والنفوذ وعدم اكتراثهم بمصير شعبهم ولا وطنهم ، فمصلحتهم الشخصية مقدمة على كل شيء ويرون غيرهم عبيداً لهم.

بلا شك فإن تصرفات الحكومات العربية خلال السنوات الماضية وتركيزها على الاهتمام بالمصالح الشخصية وتقديمها على مصلحه الوطن والشعب لهو من أهم الأسباب التي جعلتنا نتراجع للوراء حتى أصبحنا نقبع خلف دول العالم كلها ونكون المتأخرين في كل مجال ، فالطاقات عندنا مهدرة والقدرات غير مقدرة ، التحفيز غير موجود وتوكيل المهمات لغير مستحقها أصبح عادة بل صار هو الغالب ، والمواطن الصادق المخلص مغلوب على أمرة يعاني من أجل لقمة العيش ، وأصبح التسويف في المشاريع والإسراف في الصرفيات المالية بلا حسيب ولا رقيب ، إن هذا كله من أهم الأسباب التي جعلتنا نصبح على ما نحن عليه اليوم.

ولقد برزت أهمية الإعلام خلال الأحداث الماضية وهو العنصر المهم في عرض الحقائق وقد استغلته الدول للبقاء و الانتصار على مر العصور، اتضح حقيقةً أن الإعلام الرسمي التابع للحكومات العربية لم يكن قادراً على نقل الأحداث بدقة وفقد مصداقيته أمام جماهيره ولم يعد أحد يعيره بالاً ، كما أثبت الإعلام الجديد بطرقة المتعددة نجاحه وتفوقه على الوسائل الإعلامية التقليدية فأصبح الناس يتابعون الأحداث من من يعيشها في ساحات وميادين الحرية من خلال المواقع الاجتماعية المشهورة مثل ( تويتر والفيس بك واليوتيوب ) ، إن الإعلام الرسمي الذي يقع تحت سيطرة الحكومات قد أصبح عاجزاً ، كل ما يمليه ويعرضه هو ما تريده الدولة فيخدم مصالحها ومطالبها فقط غير مهتماً بنقل الحقيقة والواقع ، أما الإعلام التقليدي ( سواء كان قنوات فضائية أو جرائد مطبوعة ) والتي لا تقع تحت سلطه دولة معينه ولكنه يقع تحت رحمه توجهات القائمين عليه وأهدافهم فهو ليس حيادياً من الدرجة الأولى بل كانت تشوبه بعض الشوائب ، والحق يقال بأن بعضاً من وسائل الإعلام التقليدي قد وصلت لمرحلة عالية من المصداقية جعلت الناس يلتفون حولها ويستغنون عن غيرها عندما حرصت على تقديم الحقيقة ونقل الواقع كما هو ، ولكن لم يتفوق حتى الآن أحد على الإعلام الجديد الذي يحمل صوت الناس ومعاناتهم من دون تحريف ولا تشويه ولا كذب ، فكان هو الداعم الأول لهذه الثورات والمظاهرات وهو الذي جعل الناس يتعاطفون مع المتجمهرين في الساحات.

إن بداية المظاهرات في مصر كانت دعوة بدأت من أحدى الصفحات في الفيس بك ثم تحولت إلى انتفاضة ساندها في البداية الشباب ثم تبعهم الشعب بعد ذلك ، كما أن الإعتصامات التي تحدث في اليمن وسوريا الآن قد لفتت انتباه الناس وكسبت اهتمامهم عندما استطاعت أن تشق طريقها إلى الإعلام الحر والمواقع الاجتماعية والإخبارية.

إن العالم الغربي متخوف جداً من المظاهرات والتغييرات التي تحدث في العالم العربي ، ليس خوفاً على الشعوب من تصرفات العدائية التي تمارسها السلطات بقدر ما هو خوف من ما ستئول إليه الأمور ، فكما هو معلوم بأن بعض من القادة العرب له علاقات قوية تربطه بالدول الغربية المتقدمة ومصالح مشتركة وبلا شك أن انقطاع هذه المصالح يشكل خسارة وتهديد للدول الغربية فلذلك هي تسعى إلى أن تبقى الأمور كما هي أو في أسوء الأحوال يكون لهم يد فيما سيحدث في الفترة القادمة لضمان استمرار تلك المصالح كما هو واضح من توجهات أمريكا ومحاولات تدخلها في شؤون مصر خلال الفترة الحالية ، ومن يشاهد ما يحدث في ليبيا من تدخل حلفاء أجنبيين لوقف الجرائم التي يرتكبها القذافي ضد شعبه لم يكن دافعها حفظ الأرواح والممتلكات كلا بل هي المصلحة المتوقعة والغنيمة المنتظرة بعد سقوط نظام القذافي والتي سيستولي عليها أولئك الأجانب كما حصل من قبل في العراق.

ما يقلق المواطن العربي هو استمرار العنف بل الظلم والقتل والتعذيب حتى أخر رمق من رؤساء البلدان العربية التي رفض أهله الخضوع تحت حكم الطغاة ، فالمشاهد والمتابع للأحداث في العالم العربي يرى ما يحدث في سوريا واليمن وليبيا من جرائم وقتل لا تقف ليلاً ولا نهاراً حتى لو مالت الأمور إلى كفه المتظاهرين ولم يعد للحاكم أمل في البقاء على كرسيه ، تجده لا ينسحب ولا يرضى بأن يبعد من منصبة ضارباً عرض الحائط كل ما يريده ذلك الشعب من حقوق ذلك الشعب الذي مل من الوعود الكاذبة التي ترددت على مسمعه طوال تلك السنين التي مضت.

في دول العالم المتقدمة لا يمكن بأي حال من الأحول أن يستمر الرئيس في منصبة مدة تزيد عن ثمان إلى عشر سنوات كحد أقصى ، مهما كانت إنجازات التي حققها وإصلاحاته التي قدمها ، وعلى النقيض تمام – مع الأسف – تجد الحاكم العربي يمكث في منصبه ثلاثون بل أربعون سنة من دون أن يتزحزح أو يعطي الفرصة للشباب الطموح أن يكون له دور في بناء وطنهم ، فمعلوم أن الحاكم العربي غالباً ما يستمر في منصبه حتى يوافيه الأجل أو يقتلع من منصبه اقتلاعاَ كما حدث في مصر عندما نجحت الثورة وانتصرت المظاهرات ، مستخدماً الكذب والدجل والتزوير للانتخابات ، التي لم يعد الناس يلقون لها بالاً ولا يأخذونها على محمل الجد لأنهم متيقنون بأنها لن تقدم ولن تؤخر شيء.

ختاماً إن ما حدث من ثورات وسقوط لبعض الأنظمة وقيام أنظمه أخرى هذا كله لا يشكل إلا البداية فقط ، لابد من الاستمرار بالشفافية والوضوح من قبل الحكومات ، والقيام بالإصلاحات وتغيير الفوضى التي كانت متراكمة من الحكومات السابقة ، والرقى في التعامل والصدق في القول والعمل والإخلاص أيضاً عندما تتحقق  حينها فقط نستطيع القول بأن الثورات العربية نجحت وأثمرت ، أما أن تتغير الأوضاع بعد قليل من السنوات وتعود الأمور كما كانت أو أسوء ونعود من حيث كانت البداية فهذا ما لا نريده ، أن تذهب كل تلك الجهود والعمل والإصرار والصبر والمعاناة والصعاب التي واجهها أولئك الشجعان وأولئك الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً من أجل مبدأ أمنوا به وسعوا لتحقيقه أدراج الرياح ، ولابد أن نعلم بأن البدايات دائماً صعبه وتحتاج لكثير من العمل الجاد وسيكون هو الذي سيوصلنا بعد الله لمبتغانا وتحقيق أهدافنا ، وتلك المقولة التي طالما سمعناها كثيراً وترددت على أذهاننا سوف تجعل ذلك ممكناً  “ من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة “.

حتى التدوينة القادمة دمتم بحفظ الله ورعايته ،،

تسعدني دائماً تعليقاتكم وملاحظاتكم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s